السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
168
مختصر الميزان في تفسير القرآن
إليه كالقبلة ، وهذا رجوع إلى تلخيص البيان السابق ، وتبديل له من بيان آخر يهدي الناس إلى ترك تعقيب أمر القبلة ، والاكثار من الكلام فيه ، والمعنى ان كل قوم فلهم قبلة مشرعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكما تكوينيا ذاتيا لا يقبل التغيير والتحويل ، فلا يهم لكم البحث والمشاجرة فيه ، فاتركوا ذلك واستبقوا الخيرات وسارعوا إليها بالاستباق ، فان اللّه سيجمعكم إلى يوم لا ريب فيه ، وأينما تكونوا يأت بكم اللّه جميعا ان اللّه على كل شيء قدير . واعلم أن الآية كما انها قابلة الانطباق على أمر القبلة لوقوعها بين آياتها كذلك تقبل الانطباق على أمر التكوين ، وفيها إشارة إلى القدر والقضاء ، وجعل الاحكام والآداب لتحقيقها وسيجيء تمام بيانه فيما يخص به من المقام إنشاء اللّه . قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، ذكر بعض المفسّرين أنّ المعنى ومن أيّ مكان خرجت ، وفي أيّ بقعة حللت فولّ وجهك وذكر بعضهم أنّ المعنى ومن حيث خرجت من البلاد ، ويمكن أن يكون المراد بقوله ومن حيث خرجت ؛ مكة ، التي خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منها كما قال تعالى : مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ( محمد / 3 ) ، ويكون المعنى أنّ استقبال البيت حكم ثابت لك في مكة وغيرها من البلاد والبقاع ، وفي قوله وأنه للحق من ربك وما اللّه بغافل عما تعملون تأكيد وتشديد . قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، تكرار الجملة الأولى بلفظها لعله للدلالة على ثبوت حكمها على أي حال ، فهو كقول القائل ، اتق اللّه إذا قمت واتق اللّه إذا قعدت ، واتق اللّه إذا نطقت ، واتق اللّه إذا سكت ، يريد : التزم التقوى عند كل واحدة من هذه الأحوال ولتكن معك ، ولو قيل اتق اللّه إذا قمت وإذا قعدت وإذا نطقت وإذا سكت فاتت هذه النكتة ، والمعنى استقبل شطر المسجد الحرام من التي خرجت منها وحيث ما كنتم من الأرض فولّوا